عبد الرحمن بدوي
61
أرسطو عند العرب
فيعقل ذاته ويعقل الأول . وناله من الأولى بذلك للأول اثنينية تقع له لا بعد هويته ، بل بهما تكون هويته ، ثم يتبعها عقلها لما يتبعها ويصدر عنها ، فتكون تلك . وإن كان فيها كثرة ، فإنما هي كثرة لازمة بعد استكمال الهويّة كما أن تلك الوجودات بعد الهوية . وبهذه الجهة جاز أن يبدع من العقل المبدع الأول ، عقل ونفس سماوية . وأما البحث عن أن كل واحد من تلك الاثنينية يكون لها أيضا اثنينية أخرى ، فيجب أن يكون على هذا . نقول : إنه لا يمكن أن نذهب إلى غير نهاية ، فيجب إذن أن نقف عند وحدتين صرفتين ، فيكون أقل ذلك أن يكون أحدهما ماهية والأخرى وجودا من الأول . فنقول : إن الماهية لا تركيب فيها من جهة النسبتين فإنها ليست مبدعة من حيث هي ماهية ، بل من حيث مقرون بها الوجود ؛ فليست الماهية إذا التفت إليها من حيث هي ماهية مجموع ماهية ووجود من الأول به وجبت ، بل الوجود مضاف إليها كشىء طارئ عليها . فليست الماهية تقتضى اثنينية في ذاتها لأنها ماهية ، بل لعل ذلك يكون لأنها ماهية شئ مركب في حقيقته . وأما جانب الوجود فلعل قائلا يقول : وجود تلك الماهية في حيز نفسها ممكن أن يكون وأن لا يكون ، ومن الأول هو واجب فهو أيضا متكثر ذو اثنينية بتسلسل إلى غير النهاية . فنقول : ليس كذلك ، بل وجود تلك الماهية ليس إلا نفس الوجود وليس شيئا يلحقه الوجود ، بل هو نفس الوجود الذي يلحق الماهية وليس له وجود آخر حتى ينظر هل هو [ 144 ب ] له بإمكان ، وهو في نفسه وجود ، وهو أعم من وجود الإمكان ووجود الوجوب ، فمن حيث تلتفت إليه من أنه وجود ليس لك أن تحكم عليه بتخصيص إمكان أو وجوب . وأما كونه للماهية فممكن بإمكان للماهية وواجب من الأوّل ذلك الوجوب ، هو ذلك الوجود من حيث هو ذلك الوجود . وهذا الإمكان ليس جزءا من ذلك الوجود حتى ينقسم به ، بل هو حال لازمة لتلك الماهية من نفسها . وذلك الوجوب هو حال لتلك الماهية مقيسة إلى الأول . والوجود نفسه ، من حيث هو معتبر بنفسه ، وجود فقط لا شئ من الأشياء الأخر ، بل ربما قارنها من غير أن ينقسم بها في نفسه . وأما أن الإمكان كيف يكون من لوازم الماهيات ، وهل يدخل مع ذلك في الإبداع أم لا يدخل ، وكيف القول فيه إن لم يدخل فيكون شئ بعد الأول غير منسوب إلى الإبداع ، وكيف القول فيه إن دخل - فقد شرح في « الحكمة المشرقية » .